واصف جوهرية
33
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
عقبة يتعذر للطير أن يسلكها حتى وصلنا قمة الجبل وبجانبنا قرية كسلا ، ثم مراح البصل وعسلين ومررنا بجانب قرية صرعا وأخيرا دخلنا قرية بيت سوسين ملك المغفور له الحاج سليم وكانت هذه القرية تزرع فيها أهالي قرية بيت محسير وساريس وغيرها فكانوا يدفعون لعائلة الحسيني العشر بواسطة موظف مسؤول معين من الحاج سليم واسمه غنطوس من أهالي يافا وإني أذكر تلك الأوقات الجميلة وخصوصا ليالي القمر على بيادر بيت سوسين عندما تكون الصليبة أي الناتج من محصولات القمح والشعير والدرة وغيره أكداسا كالجبال على البيادر وكنا نقضي السهرة وعندما يكون الطقس حارا تنام على الفراش المطروحة على القش والتبن فسقيا لتلك الأيام ما كان أطيبها ! آه . إقتنائي لأول آلة موسيقية محترمة تدعى الطنبورة رغبت أن أعطي القاري الكريم صورة مختصرة عن العلاقة المتينة التي كانت ما بين والدي وبين الأسرة الحسينية والتي بواسطتها كان لي ولإخواني الحظ الوافر في اللجوء إلى القرى العائدة لهذه الأسرة والتي كنا نتمتع بخيرها وبالإصطياف فيها طيلة مدة فصل الصيف من كل سنة وتستعمل العمارات ونأكل الخيرات إن كانت من الأشجار أو الكروم أو البساتين أو البيارات وحتى مؤونة الحنطة التي كانت تنتج من هذه المحلات حتى كنا نتخايل بأننا نحن المالكين والمتصرفين فجميع الخدم والمزارعين يحترموننا وإني أذكر بأنني عندما كنت ربما وعمري لن يتجاوز العشر سنين كان مختار قرية ساريس واسمه الشيخ سليم ذو ذقن طويلة وكبير في السن يقبل يدي ويقول لي سيدي الأفندي . ولما كان لي ولعا خاصا بالغناء والموسيقى ابتكرت آلة من علبة صبغة البيض التي نوهت عنها اصطحبت هذه الآلة معي إلى قرية بيت سوسين وكنت أنقر أوتارها المشدودة بدون دوزان نقرا غير أصولي وكان حاجا مغربيا واسمه الحاج محمد معين من قبل الحاج سليم الحسيني حارسا وناطورا يشرف على ناتج القرية من حبوب محافظة على حصة سيده الحاج سليم من السرقة وتلاعب المزارعين ، وكان هذا الحاج ينام دائما تحت حائط الدار المعروفة بدار الحاج سليم أفندي وبالطبع كنا نحن نشغل هذه الدار . وعندما رأى الحاج محمد " آلتي التنكية " أجابني وتحمس وقال لي ( هذه لا تسوى يا واصف وكان عمري حوال التسع سنين ) جيب لي ( يقطينة ) ناشفة من أبو سالم البيارجي فأنا أعمل لك طنبورة عظيمة كما هي العادة عندنا أهل المغرب . فطربت وشكرته وفي الحال نزلت البيارة وأحضرت ( يقطينة ) ربما كان طولها 18 سنتمتر تقريبا مستطيلة وسلمته إياها فأخذ الموس المربوط على وسطه وشطرها لقسمين وأخذ قسما منها ونظفه ومسحه جيدا ثم جاء بقطعة خشب قاسية وبواسطة الموس نجرها وقسمها فأصبحت كما العصا إنما معكوفة من الرأس الأعلى ومبسوطة في القسم الذي كان يجب أن يرتكز على القرعة ذاتها . فوضعها كنت أنا بجانبه كل ساعات العمل . ثم قال أنه يرغب بقطعة جلد من جلد جدي أو خاروف فامتثلت لأمره وأحضرت له ذلك وكان صدفة مدبوحا في ذلك اليوم لنا فجاء الحاج محمد وقص قطعة مناسبة من هذا الجلد بعد ما